العلاقات الأخوية / بقلم الشيخ حسين عليان
رسخ الدين مبدأ الأخوة وألزم به المؤمنين، وطلب إليهم المحافظة على الأخ من غير تمييز ولا تصنيف ، وأراد الله تعالى للعلاقة الأخوية أن تكون أساساً في التعاون في جميع شؤون الحياة ،وطلب من المؤمنين الإعتصام بحبله فقال : ( واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألّـف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ). ( آل عمران \ 103) .
فالأخوة نعمة من نعم الله علينا، وبها تلغى الفوارق المصطنعة على أساس دنيوي، وهذا نلاحظه جيداً في سلوك نبينا محمد (ص) عندما ألغى منطق العصبية العشائرية والقبائلية وتصنيفات العرق واللون والصفة، وأعلن أن الناس في دين الله سواسية كأسنان المشط ،ولا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى ، وخطى في هذا المجال خطوة سلوكية كبيرة عندما اتخذ بلال الحبشي مؤذناً للمسلمين ، وكان بلال يلفظ الشين سين، فبدل ان يقول : أشهد أن لا إله إلا الله، كان يقول: أسهدوا .......... فشكى بعضهم للنبي (ص) فرد عليهم أن سين بلال عند الله شين ، وفي موقفه من سلمان الفارسي الذي قال عنه ( سلمان منا أهل البيت ) وغيرها من المواقف السلوكية التي أكد من خلالها مبدأ الأخوة بين المسلمين. وعلى المستوى الجماعي كان ذلك الموقف الخالد عندما آخى بين المهاجرين والأنصار، وجعلهم في بوتقة واحدة يذود أحدهم عن الآخر، ويشاركه في الأفراح والأتراح ، وأكد القرآن الكريم هذا السلوك الرسالي فقال : ( إنما المؤمنون أخوة فأصلحوا بين أخويكم ) .
فهذه الأخوة بعد ولادتها قد تتعرض لهزات واضطرابات نتيجة سلوك أو موقف معين، وهي كغيرها من العلاقات تحتاج إلى تنظيم بوعي وإدراكٍ وتحملٍ للمسؤولية، وسنلاحظ من خلال كلمة للإمام علي (ع) كيف يعلمنا أساليب المعالجة فيقول :
( إحمل نفسك من أخيك عند صرمه على الصلة ، وعند صدوده على اللطف والمقاربة ، وعند جموده على البذل ، وعند تباعده على الدنو ، وعند شدته على اللين ، وعند جرمه على العذر ، حتى كأنك له عبد وكأنه ذو نعمة عليك ، وإياك أن تضع ذلك في غير موضعه أو أن تفعله مع غير أهله ،........... وامحض أخاك النصيحة حسنة كانت أم قبيحة . وإن أردت قطيعة أخيك فاستبقِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِ له من نفسك بقية يرجع إليها إن بدا له ذلك يوماً ما ، ومن ظن بك خيراً فصدق ظنه ، ولا تضيعن حق أخيك إتكالاً على ما بينك وبينه فإنه ليس بأخ من أضعت حقه ، ولا يكن أهلك أشق الخلق بك ، ولا ترغبن فيمن زهد فيك ، ولا يكونن أخوك أقوى على قطيعتك منك على صلته ، ولا يكونن على الإساءة أقوى منك على الإحسان ، ولا يكبرن عليك ظلم من ظلمك فإنه يسعى في مضرته ونفعك .
هذا التوجيه التنظيمي للعلاقة الأخوية نحتاجه في حياتنا العملية ليكون منهاجاً نتبعه كي لا نقع في الخطأ.
ويمكن توضيح النقاط الرئيسية التي وردت في هذا التوجيه على النحو التالي :
أ- النقطة الأولى: حالات النفور عند الأخ لها صور متعددة وأسباب كثيرة ، وفي جميع تلك الصور يدعونا الإمام (ع) ويرشدنا إلى مواجهة ذلك النفور بصورة إيجابية .
مثلا ً: حالة الشدة تواجه باللين ، حالة البعد تواجه بالدنو ، وهكذا ........ إذاً النقطة الإرشادية الأولى في هذا التوجيه هي عدم مواجهة السلب بالسلب بل بالإيجاب .
ب - النقطة الثانية : الإنتباه في تطبيق هذه التعليمات فإن فعلها مع غير أهلها أي مع من لا يُقدر المعروف ولا يُعيره أهمية يؤدي إلى ردة فعل سلبية تعاكس مبادرته الإيجابية .
ج - النقطة الثالثة : الإعتناء بالأخ في نصحه بفعل الخيروصده عن فعل الشر وعدم تركه يتخبط من غير مساعدته حيث يحتاج إلى ذلك .
د - النقطة الرابعة : عند أخذ القرار النهائي بالمقاطعة ينبغي إعتماد مبدأ الإعتدال في هذا الموقف، فلربما عدل الأخ عن رأيه فيجد عندك من الليونة ورحابة الصدر ما يمكنه من إستعادة علاقته بك ، ومن هنا يوجهنا سلام الله عليه في كلام له : ( أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما ، وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما ).
إذاً من خلال تلخيص النقاط الرئيسية في النص التوجيهي وتوضيحها ندرك كيفية التعاطي مع المشاكل والعقبات التي تطرأ على العلاقات الأخوية ، ولكي نميز مواقع التطبيق ينبغي أن نعرف طبيعة الأخ الذي نتعاطى معه لنضع الأمور في مواضعها المناسبة ، وهذا نتعرف عليه من خلال كلامٍ للإمام علي (ع) يُبين فيه أن الأخوة ينقسمون إلى صنفين : ( إخوان الثقة ، وإخوان المكاشرة ).
فأما إخوان الثقة فهم الكهف والجناح والأهل والمال .
فإذا كنت من أخيك على حد الثقة فابذل له مالك وابسط له يدك وصاف من صافاه وعاد من عاداه واكتم سره وعيبه وأظهر منه الحسن واعلم أيها السائل ان هؤلاء أقل من الكبريت الأحمر .
وأما إخوان المكاشرة فإنك تصيب منهم لذتك فلا تقطعن ذلك منهم ، ولا تطلبن ما وراء ذلك من ضميرهم وابذل لهم ما بذلوا لك من طلاقة الوجه وحلاوة اللسان .
بهذا التصنيف يسهل عليك التطبيق العملي وتُخرج بذلك نفسك من مواطن الحيرة إلى مواطن العلم والمعرفة فتأمل ثم تدبر والله يخير لك برحمته .