منتديات بدار موقع يشرف عليه الشيخ حسين عليان وهو موقع هادف للتواصل الثقافي .. ملاحظاتكم تهمنا ومشاركتكم تثرينا
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورالمنشوراتبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخولجريدة النهارجريدة اللواءجريدة المستقبلجريدة السفيرجريدة الجمهوريةجريدة الديارجريدة الشرقجريدة البلدمجلة الشراعجريدة الأنوارجريدة الحياةجريدة الشرق الأوسطجريدة البناءجريدة الأخبار
إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوعشاطر | 
 

 مريم نايمة (قصة قصيرة)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
صالح الزين



عدد المساهمات : 3
نقاط : 9
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 17/04/2011

مُساهمةموضوع: مريم نايمة (قصة قصيرة)   18/4/2011, 8:07 pm

مريم نايمة

أم عفيف، جدة جنوبية، في العقد الثامن من عمرها، ذاقت علقم العمر، أماً لإحدى عشر شهيداً، لم يبقَ لها سوى "كومة من الصور والذكريات الأليمة"، والكثير من "حرقة القلب المكسور".
تمشي أم عفيف في قريتها بين منازل أحد عشر فرداً من أولادها وأحفادها دفنتهم بعد وقف إطلاق النار.
بكت تلك الجدة الجنوبية حتى لم يعد بوسعها البكاء. تروي ما بقي عالقاً في ذاكرتها أثر ضربة جاءت كبيرة وقاصمة على إمرأة وقفت على عتبة الثمانين من العمر لتقول:«مصابي مثل أهل البيت(ع) وأكتر، الله يضربهم».
تشتتت عائلة أم عفيف بين القرى شأنها شأن كل العائلات الجنوبية، فكانت الجدة وإبنتها مريم وتغريد وحفيدتها بتول (إبنة مريم)، يختبئون في منزلهم دون علمهم أن جيش العدو يكمن في منزل ولدها المقابل لمنزلها.
طلبت بتول في تلك الصبيحة من والدتها مريم "خيارة". ومن "سحرة" الخضار قرب جدار المنزل خرجت مريم تأتي لطفلتها بما ترغب به. لم ترغب بأن "تكسر بخاطر" طفلتها الوحيدة.
لم تكن تحمل سلاحاً، فقط كانت تحمل بين أضلعها قلباً مليءٌ بحنان الأمومة. إمرأة في الخامسة والثلاثين من عمرها.
كان الإسرائيليون بإنتظارها، ما أن خرجت من باب البيت حتى قتلوها بكل بساطة وبرودة أعصاب.
خرجت أم عفيف تحت زخات الرصاص، وبيديها المرتجفتين "دسَّت" نبض مريم فلم تجده «عرفت أنها رحلت» وبعزيمة مؤمنة سحبت جثة إبنتها إلى خلف باب الدار لمسافة لا تقل عن عشرة أمتارتقول:«ما كنت قادرة إتركها قدامهم».
إلى هناك لم تجرؤ تغريد على الخروج لمساعدة والدتها «ما تجرأت تغريد تطلع معي». وبعد ساعة على إستشهادها حاولت الأم المفجوعة تغيير ملابس مريم المروية بدم الأمومة البريء حتى لا تصدم حفيدتها بذلك المنظر المرعب، "كانت تيابها كلها دم، ما بدي تخاف منها بتول طفلتها»، حاولت نزع الملابس عن جثة إبنتها في المرة الأولى أغمي عليها، في الثانية تمكنت من نزع قميصها ومن ثم عادت وفقدت وعيها. وفي الثالثة كذلك، حتى الرابعة تمكنت أم عفيف من الباسها "بيجاما" كانت مريم تحبها.
بتول إبنة العام والنصف لا تفارق جثمان أمها طالما هي صاحية. تقول الجدة: «ما ما كانت تروح من حدها إلا لما تنام». كانت الطفلة تطلب من جدتها: «غطي مريم يا تاتا... مريم نايمة». هكذا عبرت بالكلمات القليلة التي تقوى على لفظها. وهي تسرح بيدها الصغيرة الناعمة البريئة الشعر الهامد المسترسل على جثمان أمها.
بيدين عجوزتين سحبت تلك الأم الثمانينية جثة إبنتها مريم، وهناك خلف باب الدار احتفظت بها عشرة أيام كي لا تنهش جسدها الكلاب "المستعرة" الحقيقية، بعد أن نهشتها الكلاب الصهيونية.
أم عفيف تندب مريم وتقول لإبنتها تغريد: «كتير عليِّ موت مريم بها العمر يا بنتي». لكنها لم تكن تعلم أن إبنتها زينب التي تقيم بعد زواجها في إحدى القرى المجاورة «يارون» سبقت مريم إلى الإستشهاد وأنها هناك حيث تسكن ما زالت تحت الركام مع إبنتيها.
في صيدا، حظَّ رحال الجدة وتغريد والحفيدة بتول في منزل علياء ابنة أم عفيف، التي ردت على رنين الهاتف ورفعت السماعة وشرعت بالبكاء دون أن تلفظ أية كلمة، ركضت أم عفيف بإتجاه علياء التي طمأنتها «ما في شي يا أمي، أنا بس تذكرت مريم».
لم يقتنع قلب الأم، وركضت باتجاه صهرها أحمد، (زوج علياء):«دخيلك يا أحمد شو بها عليا» سألته.
توقعت أم عفيف كل شيء إلا أن يأخذها صهرها إلى غرفة مجاورة يجلس ويقول لها:«هلق وبعدين بدك تعرفي... العوض بسلامتك عفيف وريما (زوجة عفيف) وولادهم وفايز إستشهدوا يا مراة عمي».
لا تذكر تلك الأم الصابرة أنها بكت أو صرخت، فقط الذهول والصمت الطويل. كان فايز وعائلته وعفيف وعائلته تركوا منازلهم مع إشتداد المعارك، ولجأوا مع أهالي قريتهم إلى تلك الغرفة الصغيرة التي هدمها الإسرائيليون على رؤوس 18 شخصاً من البلدة ومحيطها، وهناك إستشهدوا جميعاً.
بعد وقف إطلاق النار الذي حجب الهمجية الصهيونية عن الأطفال والشيوخ إصطحبوا ام عفيف إلى تشييع شهدائها وهي تندب:«آخ يا بنيتي ما بقى فيّ دمع، قلبي محروق» تقطع ندبها لتعود وتقول هناك في الحسينية:«لو بتشوفوهم كيف كانوا مصفوفين فايز وعفيف، مريم وريما، وولاد فايز الأربعة بالنص».
لتعود وتخاطب إبنها عباس الوحيد المتبقي من أبنائها الشباب:«روح جيب زينب من ضيعتها يا عباس، لو فايز عايش كان جابها قبل ما إحكي».
ذهب عباس ليأتي بزينب فوجدهم قد دفنوها مع إبنتيها وعمها وزوجة عمها، بعد أن بقوا خمسة عشر يوماً تحت الركام.
زادت حسرة تلك الجدة المنكوبة وزاد نحيبها:«ودعت مريم وبقيت حدي عشرة أيام، شفت جثامين عفيف وفايز وولادهم ومرته، بس زينب ما شفت شي منها».
هناك على رصيف الطريق المؤدية إلى منزلها والقريب من مكان ملحمة البطولة التي خاضها المقاومون البواسل على مربع التحرير (مارون الراس-بنت جبيل-عيترون إلى عيناتا) تقضي أم عفيف وقتها. تدور بين البيوت، من بيت عفيف إلى بيت فايز، لتعود إلى حيث إستشهدت مريم بين يديها على عتبة منزلها وتقول:«يا ريتني خسرت كل شي، يا ريتني مت أبشع موته، بس ياريت بقيت عم شوف وجوهم».

هذا هو تمني الجدة أم عفيف التي ذاقت علقم الحياة على أيدي صهاينة الكفر. أما بتول، بقيت السلوى لتلك الجدة التي كانت تردد وباستمرار خلف جدتها الندب:«يامريم... يامريم...» وببراءة الأطفال كانت تعتقد بأن ندب جدتها سيعيد اليها مريم أمها. وكانت تقول لجدتها:«هلق مريم بتجي بتنام يا تاتا...».
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
مريم نايمة (قصة قصيرة)
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات بدار للتواصل الثقافي :: شارك هنا :: المنبر الحر ـ مساحة للمسجلين في المنتدى-
إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوعانتقل الى: